سيد قطب

2200

في ظلال القرآن

العبودية خالصة من الشرك ، الذي يوحي إليهم بتحريم بعض الطيبات على أنفسهم باسم الآلهة المدعاة : « فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً ، وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ » . ويحدد لهم المحرمات على سبيل الحصر . وليس منها ما يحرمونه على أنفسهم من رزق اللّه من بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حام : « إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ، وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ » . . وهي محرمة إما لأن فيها أذى للجسم والحس كالميتة والدم ولحم الخنزير ، أو أذى للنفس والعقيدة كالذي توجه به ذابحه لغير اللّه . « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » فهذا الدين يسر لا عسر . ومن خاف على نفسه الموت أو المرض من الجوع والظمأ فلا عليه أن يتناول من هذه المحرمات قدر ما يدفع الضرر ( على خلاف فقهي ذكرناه من قبل ) غير باغ على مبدأ التحريم ولا متجاوز قدر الضرورة التي أباحت المحظور . ذلك حد الحلال والحرام الذي شرعه اللّه في المطعومات ، فلا تخالفوه اتباعا لأوهام الوثنية ، ولا تكذبوا فتدعوا تحريم ما أحله اللّه . فالتحريم والتحليل لا يكونان إلا بأمر من اللّه . فهما تشريع . والتشريع للّه وحده لا لأحد من البشر . وما يدعي أحد لنفسه حق التشريع بدون أمر من اللّه إلا مفتر ، والمفترون على اللّه لا يفلحون : « وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ : هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ، إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ . مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » . . لا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم وتحكيه : هذا حلال وهذا حرام . فهذا حلال وهذا حرام حين تقولونها بلا نص هي الكذب عينه ، الذي تفترونه على اللّه . والذين يفترون على اللّه الكذب ليس لهم إلا المتاع القليل في الدنيا ومن ورائه العذاب الأليم ، والخيبة والخسران . . ثم يجرؤ ناس بعد ذلك على التشريع بغير إذن من اللّه ، وبغير نص في شريعته يقوم عليه ما يشرعونه من القوانين ، وينتظرون أن يكون لهم فلاح في هذه الأرض أو عند اللّه ! فأما ما حرمه اللّه على اليهود في قوله من قبل في سورة الأنعام . « وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ، أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ » فقد كان عقوبة خاصة بهم لا تسري على المسلمين : « وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ، وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ، ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا . إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » . . ولقد استحق اليهود تحريم هذه الطيبات عليهم بسبب تجاوزهم الحد ومعصيتهم للّه . فكانوا ظالمين لأنفسهم لم يظلمهم اللّه . فمن تاب ممن عمل السوء بجهالة ولم يصر على المعصية ، ولم يلج فيها حتى يوافيه الأجل ؛ ثم أتبع التوبة القلبية بالعمل الصالح فإن غفران اللّه يسعه ورحمته تشمله . والنص عام يشمل التائبين العاملين من اليهود المذنبين وغيرهم إلى يوم الدين . وبمناسبة ما حرم على اليهود خاصة ، ومناسبة ادعاء مشركي قريش أنهم على ملة إبراهيم فيما يحرمونه على أنفسهم ويجعلونه للآلهة ، يعرج السياق على إبراهيم - عليه السلام - يجلو حقيقة ديانته ، ويربط بينها وبين الدين